محمد بن جرير الطبري

5

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فاسألوا أهل التوراة والإنجيل قال أبو جعفر : أراه أنا قال : يخبروكم أن الرسل كانوا رجالا يأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق . وقيل : أهل الذكر : أهل القرآن . ذكر من قال ذلك : حدثني أحمد بن محمد الطوسي ، قال : ثني عبد الرحمن بن صالح ، قال : ثني موسى بن عثمان ، عن جابر الجعفي ، قال : لما نزلت : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قال علي : نحن أهل الذكر . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قال : أهل القرآن ، والذكر : القرآن وقرأ : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ القول في تأويل قوله تعالى : وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين . يقول تعالى ذكره : وما جعلنا الرسل الذين أرسلناهم من قبلك يا محمد إلى الأمم الماضية قبل أمتك ، جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ يقول : لم نجعلهم ملائكة لا يأكلون الطعام ، ولكن جعلناهم أجسادا مثلك يأكلون الطعام . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ يقول : ما جعلناهم جسدا إلا ليأكلوا الطعام . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ يقول : لم أجعلهم جسدا ليس فيهم أرواح لا يأكلون الطعام ، ولكن جعلناهم جسدا فيها أرواح يأكلون الطعام . قال أبو جعفر : وقال وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً فوحد " الجسد " وجعله موحدا ، وهو من صفة الجماعة ، وإنما جاز ذلك لأن الجسد بمعنى المصدر ، كما يقال في الكلام : وما جعلناهم خلقا لا يأكلون . وقوله : وَما كانُوا خالِدِينَ يقول : ولا كانوا أربابا لا يموتون ولا يفنون ، ولكنهم كانوا بشرا أجسادا فماتوا ؛ وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قد أخبر الله عنهم : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى قوله : أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا قال الله تبارك وتعالى لهم : ما فعلنا ذلك بأحد قبلكم فنفعل بكم ، وإنما كنا نرسل إليهم رجالا نوحي إليهم كما أرسلنا إليكم رسولا نوحي إليه أمرنا ونهينا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَما كانُوا خالِدِينَ أي لا بد لهم من الموت أن يموتوا . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ يقول تعالى ذكره : ثم صدقنا رسلنا الذين كذبتهم أممهم وسألتهم الآيات ، فأتيناهم ما سألوه من ذلك ثم أقاموا على تكذيبهم إياها ، وأصروا على جحودهم نبوتها بعد الذي أتتهم به من آيات ربها ، وعدنا الذي وعدناهم من الهلاك على إقامتهم على الكفر بربهم بعد مجيء الآية التي سألوا . وذلك كقوله جل ثناؤه : فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ وكقوله : وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ ونحو ذلك من المواعيد التي وعد الأمم مع مجيء الآيات . وقوله : فَأَنْجَيْناهُمْ يقول تعالى ذكره : فأنجينا الرسل عند إصرار أممها على تكذيبها بعد